أبي طالب المكي

56

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

رأيته وهو يحلَّه . قيل : وما منعك أن تزجره ؟ قال : كنت فيما هو أحبّ إليّ من ذاك يعني الصلاة قال : فجعلوا يدعون عليه فقال : لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه . وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له : ألا تدعو على ظالمك ؟ فقال : ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه ، قيل : أفرأيت لو ردّت إليك سرقتك أكنت تأخذها ؟ قال : ولا كنت أنظر إليها إني قد كنت أحللته منها . وقيل لآخر : ادع الله على من ظلمك ، قال : ما ظلمني أحد ثم قال : إنما ظلم نفسه فلا يكفيه المسكين ظلمه لنفسه حتى أزيده شرّا . وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه عليه فقال : ما تعزوني على أمر الدنيا ، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ذهاب شيء منها قيل : ولم ؟ قال : شغلني الشكر عليه عن الحزن . وقد كانوا يقولون : إذا ظلموا من الغصب والسرقة وغير ذلك . هذه نعمة الله علينا إذ لم يجعلنا ظالمين مظلومين وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة . وقد كان السلف يخافون أن يذكروا الظالم بالسبّ له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على مظلمتهم . وقد روينا : من دعا على ظالمه فقد انتصر . وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له : لا تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله . وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة ، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبّه حتى يكون بمقدار ما ظلمه ، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتصّ له من المظلوم . وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله فقال له : إن لم يكن غمك أنّه قد صار في المسلمين من يستحلّ هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين . وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال : أعلى الدنانير تبكي ؟ فقال : لا والله ، ولكن على المسكين ، أن يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة . وقيل لبعضهم في معنى هذا : ادع على من ظلمك ، فقال : إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه ، فإن ردّ عليّ المتوكَّل كلّ ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملَّكه ، إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل ، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى صدقته عليه ، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير . وقد كان بعضهم إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول : إن كان فقيرا فهو صدقة عليه ، وإن كان محتاجا فهو في حلّ . وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنّه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه ، فقال له : كم كان فيه فأخبره ، فحمله إلى منزله فوزن له من المال ، ثم إنّ أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلَّوا هميانه وهو نائم ، فجاء هو وأصحابه إليه فردّوا عليه